محمد متولي الشعراوي

5890

تفسير الشعراوى

إذن : فللجن قوة على أشياء لا يقوى عليها الإنس « 1 » ، ولم يأخذ الجنّى خواصّه في الخفة والقدرة ومهارة اختزال الزمن بذات تكوينه ، ولكن بإرادة المكوّن سبحانه ؛ ولذلك شاء الحق أن يذكّر الجن أنهم قد أخذوا تلك الخصوصيات بمشيئته سبحانه ، والحق هو القادر على أن يجعل الإنس وهو الأدنى قدرة ، قادرا على تسخير الجن ؛ ولذلك يحاول الإنس أن يأخذ من تسخير الجن قوة له فيقوى على نظيره من الإنس . ولكن الحق سبحانه أصدر الحكم على من يحاول ذلك بأن تسخير الجن يزيد رهقا « 2 » . واقرأوا قول الحق سبحانه : وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ . . ( 102 ) [ البقرة ] إذن : فتعليم الجن السحر للإنس دليل على تفوق قدرات الجن وتميزها عن قدرات الإنس .

--> ( 1 ) يقول الإمام : إن للجن قوة بحسب تكوينه النارى تفوق قوة الإنسان ، ثم يفيض علينا أن الإنسان بمنهج اللّه له قوة مددية من اللّه إذا عايش المنهج ، وفهم أسرار الكتاب ، يتجلّى ذلك في أن الشيطان قال لسليمان : قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ ( 39 ) قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ( 40 ) [ النمل ] إذن : الواصل بالله أقوى من الكل ، هذا من حيث العطاء الإلهى ، أما من حيث التكوين فالإنسان من طين ، والطين ليس كالنار . ( 2 ) وذلك في قوله تعالى : وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً ( 6 ) [ الجن ] أي : ذلة وضعفا . قال السدى : كان الرجل يخرج بأهله فيأتي الأرض فينزلها فيقول : أعوذ بسيد هذا الوادي من الجن أن أضر أنا فيه أو مالي أو ولدى أو ماشيتي . ذكره ابن كثير في تفسيره ( 4 / 428 ) .